سعيد حوي
1491
الأساس في التفسير
ولذلك فإننا نجد في هذا المقطع عملية البناء وإزالة الأنقاض تتعاضدان ، وعملية التحلية بالتقوى والتخلية عن الفسوق تتكاتفان ، ومن ثمّ نجد في هذا المقطع النهي عن تحريم ما أحل اللّه ، وذكر بعض ما حرّم أبدا ، وذكر بعض ما حرّم في بعض الأحوال ، والنهي عن السؤال ومؤاخذة من يحرّم ما أحل اللّه ، كفعل الجاهليين في بعض الشؤون . وبيان لحكم اللّه في جانب من موضوع الوصايا ، وكل ذلك ينتظمه المحور الذي تدور حوله سورة المائدة فلنرجع إلى المعنى العام في المقطع . إنه قد يرافق تحريم الحلال - أو معنى من معاني الاعتداء يمين ، ومن ثمّ فقد بيّن اللّه - عزّ وجل - حكم الأيمان المنعقدة في هذا المقام بعد أن بين حكم يمين اللغو في سورة البقرة ، فبيّن هنا أنّ اللّه يؤاخذ باليمين التي يرافقها تصميم وقصد ، وأن مثل هذه اليمين كفارتها لمن يجب عليه أن يحنث فيها ، أو يجوز - إذا أراد الحنث - واحد من ثلاثة ، إما إطعام عشرة مساكين ، أو كسوتهم ، أو عتق رقبة ، فإن لم يقدر المكلف على واحدة من هذه الخصال الثلاث كفّر بصيام ثلاثة أيام ، ثم بيّن اللّه - عزّ وجل - أن هذه هي كفّارة اليمين الشرعية ، وأمر بحفظ الأيمان ، إما بالبر بها ، أو بالتكفير عنها ، وأنّ هذا البيان لأحكامه يقتضي منّا شكرا . وبعد أن بيّن اللّه - عزّ وجل - لنا عدم جواز تحريم ما أحلّ ، طالبنا بالالتزام بما حرّم ، وبيّن لنا أنّ تعاطي الخمر والقمار مما حرّم ، وأنّ مما حرّم الأنصاب : وهي الحجارة التي كانوا يذبحون قرابينهم عندها ، وأنّ مما حرم الأزلام : وهي قداح أي : أقلام كانوا يستقسمون بها ، ويستفتحون بها ، ويلتزمون بتوجيهها الأعمى . ثمّ بيّن اللّه - عزّ وجل - أن هذه الأشياء كلها شر وسخط من فعل الشيطان وعمله ودعوته ووسوسته ، آمرا إيانا بتركها لنكون من حزب اللّه ، ومن عباده المفلحين . ثم بيّن تعالى ما هو مراد الشيطان من دعوته لنا إلى الخمر والميسر ؟ ألا وهو إيقاع العداوة والبغضاء بيننا بذلك ، وتحصيل الغفلة عن اللّه . فحيثما وجد الخمر كان العداء والشر ، وحيثما وجد القمار - جدا أو هزلا - وجدت الشحناء . وإنّما يريد اللّه لحزبه أن يكونوا متحابّين ، ومن ثمّ حرّمهما عليهم ، وحيثما وجدت الخمرة والقمار كانت الغفلة عن اللّه ، واللّه يريد منا أن نكون ذاكرين ، ولذلك حرم علينا الخمرة والقمار ، وحضّنا على الانتهاء عنهما بعد أن أظهر لنا الحكمة في التحريم ، ثمّ بيّن اللّه - عزّ وجل - أنّ من آمن ، وعمل صالحا ، واتّقى وأحسن فليس عليه جناح فيما طعم من أنواع المباحات وما أكثرها ، وأنه تعالى يحب المحسنين .